الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
519
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمغفرة هنا يراد بها التجاوز عن الإساءة أي تجاوز المتصدق عن الملحّ أو الجافي في سؤاله إلحاحه أو جفاءه مثل الذي يسأل فيقول : أعطني حقّ اللّه الذي عندك أو نحو ذلك ، ويراد بها أيضا تجاوز اللّه تعالى عن الذنوب بسبب تلك الصدقة إذا كان معها قول معروف ، وفي هذا تعريض بأنّ الأذى يوشك أن يبطل ثواب الصدقة . وقوله : وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ تذييل للتذكير بصفتين من صفات اللّه تعالى ليتخلّق بهما المؤمنون وهما : الغنى الراجع إليه الترفّع عن مقابلة العطية بما يبرد غليل شحّ نفس المعطي ، والحلم الراجع إليه العفو والصفح عن رعونة بعض العفاة . والإبطال جعل الشيء باطلا أي زائلا غير نافع لما أريد منه . فمعنى بطلان العمل عدم ترتّب أثره الشرعي عليه سواء كان العمل واجبا أم كان متطوّعا به ، فإن كان العمل واجبا فبطلانه عدم إجزائه بحيث لا تبرأ ذمة المكلّف من تكليفه بذلك العمل وذلك إذا اختلّ ركن أو شرط من العمل . وإن كان العمل متطوّعا به رجع البطلان إلى عدم الثواب على العمل لمانع شرعي من اعتبار ثوابه وهو المراد هنا جمعا بين أدلة الشريعة . وقوله : كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ الكاف ظرف مستقر هو حال من ضمير تبطلوا ، أي لا تكونوا في اتباع صدقاتكم بالمنّ والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس وهو كافر لا يؤمن باللّه واليوم الآخر ، وإنّما يعطي ليراه الناس وذلك عطاء أهل الجاهلية . فالموصول من قوله : كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ مراد به جنس وليس مراد به جنس وليس مراد به معيّنا ولا واحدا ، والغرض من هذا التشبيه تفظيع المشبّه به وليس المراد المماثلة في الحكم الشرعي ، جمعا بين الأدلة الشرعية . والرئاء - بهمزتين - فعال من رأى ، وهو أن يكثر من إظهار أعماله الحسنة للناس ، فصيغة الفعال فيه للمبالغة والكثرة ، وأولى الهمزتين أصلية والأخيرة مبدلة عن الياء بعد الألف الزائدة ، ويقال رياء - بياء بعد الراء - على إبدال الهمزة ياء بعد الكسرة . والمعنى تشبيه بعض المتصدّقين المسلمين الذين يتصدّقون طلبا للثواب ويعقبون صدقاتهم بالمنّ والأذى ، بالمنفقين الكافرين الذين ينفقون أموالهم لا يطلبون من إنفاقها إلّا الرئاء والمدحة - إذ هم لا يتطلّبون أجر الآخرة - . ووجه الشبه عدم الانتفاع ممّا أعطوا بأزيد من شفاء ما في صدورهم من حبّ التطاول على الضعفاء وشفاء خلق الأذى المتطبعين عليه دون نفع في الآخرة .